الكوميكس: وسيلة تعبير حديثة عن الهوية والأفكار – حلقة نقاشية في منصة الفن المعاصر

“I like nonsense, it wakes up the brain cells. Fantasy is a necessary ingredient in living.”

― Dr. Seuss

         من طبيعتنا  كبشر حب التعبير عن أنفسنا: عن أفكارنا وعن شخصيتنا. وللتعبير عن أنفسنا نستخدم أساليب التواصل المختلفة؛ كالرموز والإيحاءات وتعابير الوجه. فنحن مخلوقات نحب التعبير عن مشاعرنا والحديث عن تفاصيل حياتنا اليومية لأي شخص نشعر أن لديه الاستعداد لأن  يصغي. ومع التطور الذي نشهده في مجالات التواصل المتعددة، وتعدد وسائل النشر، التي يسرت الحصول على المعلومات حتى أصبحت في متناول الأيدي.

واللغة هي إحدى أبرز وسائل التعبير،  فاستخدامنا للغات في التخاطب أو الكتابة هي وسيلة شائعة في كل أنحاء العالم. وقد تعلم الإنسان مهارات دمج الصوت والرموز والألفبائية والإيحاءات الصوتية والمرئية من أجل القدرة على تمكن البشر من فهم بعضهم البعض.

ولعل أهم نقطة تتعلق بأساليب التواصل والحوار والتخاطب هي تلك التي لها علاقة بالمعنى المقصود والمعنى المفهوم والعلاقة بين هذين العنصرين،  فهناك مراحل عديدة لعملية التواصل، وفِي معظم الأحيان قد يختلف المعنى المقصود عن المعنى المفهوم لأن هناك عوامل مختلفة تدخل في عملية الاتصال التي نشهدها بشكل يومي.

وكمثال على ذلك، اتخذ الإنسان من الفنون المختلفة وسيلة للتعبير عن أفكاره كفرد مستقل. ومع تعدد أساليب وأنواع الفنون المختلفة، بدءً من رسومات إنسان الكهف وصولاً إلى أنواع الفن الحديث المختلفة، صار لدينا منظور أكبر وأعمق عن الأساليب التي يمكن للمرء اتخاذها للتعبير عما يجول في خاطره وباستخدام الطريقة الأقرب للون وصوت أفكاره لتنتج ابداعات منفردة لا تتكرر إلا نادراً.

         فِي لقاءنا الْيَوْمَ سنتحدث عن تلك الفنون الحديثة التي بدأت منذ نهاية القرن الماضي والتي لا تزال آخذة في التطور حتى الآن. يعتبر فن الكوميكس، أو القصص المصورة فرع من فروع ال pop art والذي درج في نهاية الخمسينات على يد الفنان آندي وارهول. وقامت هذه الحركة الفنية بتغيير نظرة الناس عن الفن الذي كان يُنظر إليه، آنذاك، بالطريقة الكلاسيكية؛ التي تركز على رسم نسخة مشابهة للواقع لصورة شخص معين أو لمنظر موجود أساساً في الطبيعة. واشتهر وارهول بعرض علبة حساء كامبل في أعماله الفنية وتعتبر لوحة وارهول لعلبة الحساء رمزاً منافياً لكل ماهو تقليدي في الفن من الناحية الإبداعية والانتاجية.

ويعد تطور تكنولوجيا الطباعة والتصوير والألوان من أكثر العوامل تأثيراً على حركة “فن البوب” لأنها سهلت عملية الطباعة وإنتاج العمل الفني. ولعل أكثر ما يستحق الذكر عند الحديث عن هذا النوع من الفنون هو:  الألوان الزاهية المستخدمة، وتأثيرها الكبير على نشاط حركة الإعلانات في أمريكا وبريطانيا حتى أصبحت صناعة وتجارة مربحة للعديد من الشركات عن طريق التسويق.

         من المؤكد أن الأغلبية تدرك ما نعنيه عندما نستخدم المصطلح ‘القصص المصورة’ أو ‘الكوميكس’. وحين نأخذ دقيقة للتفكير عن ماتعنيه تلك الكوميكس لنا  سوف نستدعي في خيالنا صورة ذهنية تتعلق بهذا المصطلح، وغالباً لها علاقة بتجربة معينة خضناها في يوم من الأيام. وكمثال على ذلك، لنتخيل جميعنا إننا في محل لكتب “الكوميكس” سواء كنّا مهتمين بهذا النوع من الكتب أو لا. عندما نتجه إلى رف به مجموعة متنوعة من تلك الكتب المصورة ونختار واحدة منها لنتصفحها. سواء كان ذلك الكتاب المفتوح بين يدينا مشوقا أو لا، وسواء كنّا مهتمين بوجود الرسوم مع عدد قليل من الكلمات أو بوجود الكثير منها، فإن المؤكد أننا بمجرد قراءتنا لصفحة أو اثنتين من هذه الكتب سوف نجد عنصرا معينا يشد انتباهنا أو يحفز لدينا فكرة معينة، وقد يتمثل هذا العنصر في الشخصية أو الألوان المستخدمة أو طريقة الكتابة، حتى طريقة تقسيم اللوحات أو ما نسميه ب panels داخل الصفحة نفسها.

إن القدرة على إيجاد عدّة عوامل من عالمنا هذا، عالم القصص المصورة، أو حتى من عوالم أخرى يعتبر بحد ذاته تجربة مختلفة عن قراءة أي كتاب يستخدم اللغة المكتوبة فقط.

ولا أستطيع التحدث عن الكوميكس من دون أن أذكر نفسي بتجربة عشتها مع بداياتي في قراءة المجلات والقصص المصورة. أريد أن أستعيد هذه الذكريات معكم لأنني أعتقد أن كل شخص محب لفن الكوميكس غالبا ما تكون علاقة حبه لهذا الفن قد بدأت منذ سنوات طويلة.

بالنسبة لي؛ قرأت الكوميكس باللغتين العربية والإنجليزية، وكانت الكتب المفضلة لدي هي ‘مغامرات زينة ونحّول’ و’مغامرات تن تن’، ومجلات ‘ميكي’ و’بطوط’، وكتب الجيب لـ ‘مغامرات العم دهب’، وأيضاً مجلات ‘أحمد’ و’ماجد’، وغيرها من الكتب العشوائية التي التقطها عند زيارتي للمكتبة بين حين وآخر.

 إن المتعة التي أجدها حتى هذا الْيَوْمَ عند قراءة هذه الكتب تساعدني كفنانة أن أوسع مخيلتي داخل الغرفة التي أقرأ فيها، حتى أنسى الهموم اليومية وتزحف بي مخيلتي إلى أماكن جديدة أَجِد فيها الرابط بين أفكاري التائهة والأحلام التي أحاول تحقيقها. ولهذا السبب اخترت لنفسي الرسم كموهبة أفضلها للتعبير عن أفكاري بطريقة ابداعية وممتعة في نفس الوقت.

         إن السؤال المهم الآن هو: لماذا لانزال، كأشخاص بالغين، نستمتع بقراءة الكوميكس التي يصنفها البعض كقصص “للأطفال”؟ ما الذي تمتلكه هذه القصص ولا تقدمه الوسائل المنشورة الأخرى؟

من أجل أن نجيب على هذه التساؤلات أعتقد أن الوسيلة الأنسب هي البدء بتعريف ما نعنيه عندما نقول ‘كوميكس’ أو ‘قصص مصورة’؟

وفقاً لويل ايزنر، واحد من أهم المفكرين والباحثين في مجال القصص المصورة، يعرّف فن القصص المصورة أو “sequential art”  بوصفه “عملية ترتيب صور أو رسوم أو كلمات معينة من أجل رواية قصة أو محاولة تضخيم أو تهويل فكرة أو حدث معين”. بينما عرّف سكوت ماكلاود، وهو باحث آخر في نفس المجال، أن عملية انتاج الكوميكس هي وضع (juxtapose)  صورة أو رسمة بجانب أخرى بشكل متعمّد من أجل التعبير عن فكرة، وانتاج منتج معين من أجل تحقيق هدف ثقافي وجمالي للقارئ أو المتلقي.

إن أهم عامل في هذين التعريفين يتعلق بالعملية التي نقوم بها عند وضع صورة بجانب صورة أخرى (كلاهما تشكل لوحة فنية منفردة) من أجل انتاج معنى مقصود ومتكامل العناصر.

في الحقيقة، إن القصص المصورة، كأي وسيلة أخرى تستخدم للتعبير عن الأفكار، تحمل بين طياتها معنى معين ومقصود من قبل المرسل. كل رسالة تحمل معنى مختلف، وكل كتاب مختلف عن الآخر بما يمثله من معنى وما يحمله من دلالات.

هنا يجب علينا التركيز على ما نعنيه بالمعنى المفهوم والمعنى المقصود، أي، المعنى بين المرسل والمتلقي، حيث يوجد اختلاف بين الاثنين، لأن عملية الاتصال تتم على خطوات متعددة، وغالباً ما يتأثر المعنى المقصود بعوامل خارجية لا يملك الكاتب أو الفنان القدرة على التحكم بها. ومن هذه المتغيرات: العوامل البيئية، والأفكار الأيديولوجية التي يعتقد فيها المتلقي وخلفيته من نواحي ومجالات المعرفة المختلفة. فهذه العوامل تتفاعل مع بعضها البعض لتنتج معنى ينسب إلى الشخص المتلقي للرسالة، وفِي معظم الأحيان تختلف دلالات المعاني من شخص إلى آخر، حتى ولو كان بينهم أكثر من عامل مشترك.

         والآن لنتحدث عن علاقة القصص المصورة بالمعنى المكتسب من الرسالة المرسلة بالهوية والقمع الفكري. فأنا ممن يعتقدون بأن مشاعرنا وأفكارنا ليست لها القابلية لأن تكبت أو تحاصر وتقنن، على العكس، واستناداً إلى نظرية ميشيل فوكو حول مبدأ القوة والنظام ومبدأ العقاب، فإن استخدام القوة لن يمثل الحل لإبقاء النظام والاستقرار والتطور في المجتمع لأن النتيجة الحتمية لاستخدام القوة وأساليب المنع، هي غالباً الانفجار.

ولأن المؤلفين المبدعين يؤمنون بأن الفكرة التي ينشرها عقل واعٍ ومثقف أقوى من أي نظام لقمع الأفكار فإن ما يسعون إليه غالباً هو انتاج أعمالهم الفنية بطريقتهم الخاصة للتعبير عن الغرض المنشود.

وبما أن تركيزنا الْيَوْمَ على فن القصص المصورة وما تحمله من دلالات، سأحاول أن أربط بين مبدأ الهوية وبين مبدأ مكافحة كبت الأفكار في عملية انتاج هذه الكتب. خصوصا وأن هذا الفن كان من بين الفنون التي كان الناس ينظرون إليها في السابق كفنون سيئة السمعة، وكانوا يعتقدون أن وجود كتب القصص المصورة في متناول الأطفال سبب رئيسي لانحرافهم عن الأخلاق والدين واتجاههم للعنف واستخدام كلمات مسيئة. وظلت هذه الصورة شائعة حتى بعد أن أصدرت الولايات المتحدة عددا من القوانين المقيدة لما ينشر في تلك الكتب للحد من العنف والظاهرات السلبية. فأصبحت الموضوعات التي تتناولها القصص المصورة مقننة وأصبح من الصعب على الناشرين الابداع في مؤلفاتهم مما أدى إلى انحسار  شعبية القصص المصورة خلال فترة طويلة من الزمن، بدعوى أنها كانت تعكس شيئا ليس له علاقة في الواقع.

فالشخصيات كانت سعيدة بشكل سخيف، مبالغ فيه،  والقصص لا تعكس أي شيء من مجريات الواقع، بل راحت تنشر نسخة من “الحقيقة” وفق لما تريده الحكومات، تلك الأخبار والمعلومات المتداولة على الأسطح والتي سئم الناس من سماعها وقراءتها في كل زاوية وركن.

لنعود إلى الموقف الذي تحدثت عنه في البداية عن تصفح الكتب المصورة. اتفقنا على أن هناك العديد من العوامل التي من الممكن ملاحظتها والتي لها علاقة بمهارات الكاتب والفنان. فما تتميز به كتب القصص المصورة هو احتواءها على عدة مهارات ولغات وفنون في عالم موازي لعالمنا هذا. يشبهه ولا يشبهه. الجماليات لها أذواق فريدة والتفاصيل فيها محيرة وفِي نفس الوقت مثيرة للجدل -كالفساد الذي يحيط بمدينة غوثام. حتى نوع الخط المستخدم في فقاعات الكتابة يعكس هوية الكاتب بشكل ما، ويروي لنا قصة مختلفة لن نرى لها مثيلا عند فنان آخر. كما أن تعدد الهويات وانتشارها بشكل عالمي هو فرصة للقراء أن يستمتعوا بقراءة مواضيع ملهمة من أنواع متعددة من الإبداع من شتى أنحاء العالم.

ما نعنيه بالهوية وطبقاً لقاموس اكسفورد يعرف كلمة “identity” كالتالي:

‘The fact of being who or what a person or a thing is or the characteristics determining who that person is.’

وفِي موقع معجم المعاني تم تفسير كلمة الهوية (اسم) أو ‘هوية الإنسان’ على أنها: ‘حقيقته المطلقة وصفاته الجوهرية’، وفِي الفلسفة تعرف الهوية على أنها ‘حقيقة الشيء أو الشخص التي تميزه عن غير’. وأيضاً نعني بها ‘احساس الفرد بنفسه وفرديته وحفاظه على تكامله’. ومن جانب فلسفي، يعرف جون لوك الهوية الذاتية على أنها مكون معقد من تجارب الماضي الذي عشناه مترابطاً بالحاضر الذي نعيشه حيث يتخذ هذا المكون المعقد جزءاً في دماغنا والمعني بالإدراك فيساعدنا على تحديد منظورنا للأشياء المحيطة بِنَا.  أما فريدريك نيتشه، فيرى الهوية الذاتية بوصفها انتاجا لعملية تتسم بالتناقض، حيث رغبة الإنسان بأن يكون مختلفا عن غيره هي التي تسهم في بناء هويته.

إن فهم معنى الهوية يساعدنا على فهم بوادر السلوك والأنماط في المجتمعات المختلفة. وبشكل عام، فإن الهوية هي العامل الأساسي لرغبتنا في الحرية والتعبير عن الرأي؛ لأننا مخلوقات ذوي عقليات مستقلة. وما يجب التركيز عليه هنا هو أزمة الهوية في منطقة الشرق الأوسط، وعلاقتها بالأسباب التي تقف خلف مقدرتنا عن التعبير عما نحن عليه، وأسباب تفاقم هذا الشعور بالانحدار على المستوى الفكري؟

الحقيقة من منظور فردي/ شخصي

         يعتمد كل فنان أو مؤلف على حاسة الإدراك لديه كي يستعرض to represent مجموعة من مبادئه ونظرياته؛ باستخدام مادة معينة ومجالٍ معين، وبالتركيز على فكرة إجمالية معينة theme. فما يعرضه المؤلف في منشوراته يعتبر وجهة نظره الفردية وهي الحقيقة التي يُؤْمِن بها، ومن خلالها يعيش حياته ارتكازاً على تلك المبادئ التي تؤمّن له جزءاً من الاطمئنان والإلهام. ومن خلال عرضه للمواقف من وجهة نظره الفردية فإنه يساهم بتلك الأفكار، ويستخدمها للتعبير عن نفسه. هذه الأفكار تؤدي غرضاً مهماً في إلقاء الضوء على أفكار لم يتم تسليط الضوء عليها من قبل، ليس بالطريقة التي يراها الشخص المنفرد بابداعاته . فالفكرة وراء الإبداع هي عرض معنى متداول بصورة جديدة وغير متعارف عليها لتتيح للناس الفرصة لرؤية الشيء من منظور مختلف. إن الحقائق المتعارف عليها والمتداولة بشعبية هي التي تحتوي على الكثير من الشوائب، غالبا بسبب كثرة التداول بين الناس. وغالبا ما يكون هذا النوع من الحقائق هو السائد أو المنتشر والذي تروج له، في الأغلب، أفلام هوليوود والاعلانات والمسلسلات المرتبطة معظمها بالرأسمالية وثقافة انعدام التفكير.

ولأن هناك عدة طرق يستخدمها المؤلف لعرض وجهة نظره من الحقيقة، وجدت أن تصنيفها إلى ثلاثة أنواع سيساعدنا على فهم الاختلاف بين اسلوب فنان وآخر. هناك النوع الأول:

  1. الشخصي: يعتمد على التجربة الشخصية للمؤلف، وهي في الغالب تكون نتاجا لتعليمه وتربيته وتجارب الحياة الخاصة به.
  2. التراكمي: ما يتم جمعه من مختلف الناس من آراء وأساليب العيش، والأنشطة اليومية التي يقومون بها ويعتمد هذا النوع على دقة الملاحظة.
  3. النقدي: يعتمد على بناء علاقة بين الأحداث السياسية والاجتماعية وغيرها والمشاكل التي يواجهها الناس. وغالبا ما تتناول سوء الفهم والعنصرية والأنماط الصورية المتداولة

إن لعملية انتاج أي كتاب مصور أو رواية مصورة عنصرا مهما وهو الإبداع. فإن قام أي شخص قادر على الرسم بوضع فكرة معينة لانتاج قصة معينة وعرضَها للناس كمنتج فكري، فليس من الضروري أن يلاقي هذا المنتج الاهتمام إن لم يكن هناك مجهود ابداعي يستحق النظر فيه. أنه من المهم معرفة الطريقة الصحيحة لمزج إيديولوجية المؤلف مع الشخصيات والألوان والملامح والكلمات المتصلة معها، فهي عوامل مكونة لمنتج واحد فقط وايجاد الترابط بينهم هم سر المهنة. ومن أفضل الأمثلة للمؤلفين المعاصرين الذين اكتشفوا سر المهنة، والخلطة السرية لمزج هذه المكونات، من المعاصرين هم: نيل غايمان، وجايسون آرون، وبراين آزاريلو، وغارث انيس، وغرانت موريسون، وغيل سايمون، وجي ويلو ويلسون، وجودي هاوسر، وهم مؤلفين لكتب لاقت شعبية كبيرة حول العالم مثل: Star Wars, Justice League, New X-Men, All-Star Superman, Batman, Wonder Woman, Ms. Marvel.  The Sandman, and Preacher.

وطبعاً لا يمكننا أن نتحدث عن الكوميكس من دون أن نذكر العمالقة مثل ستان لي، وفرانك ميلر، وستيف ديتكو وآلان مور، ونيل آدامز، وجاك كيربي  وبوب كين وبيل فينغر وغيرهم الكثير. وهذه الأسماء لا يمكن ذكرها من دون أن نذكر مؤلفات Marvel  و The Dark Knight و V for Vendettaو Detective Comics.

نيل غايمان، أحد المؤلفين المفضلين لديّ، وهو يتحدث عن أهمية استخدام theme معين عند الكتابة. ويمكن أن نلاحظ عند قراءة مؤلفاته مثل The Sandman أن أغلبها تتمحور حول فكرة عامة كالبعد الآخر أو العوالم الأخرى بطريقة ابداعية بحتة. يتحدث غايمان في كتبه عن الضياع ومحاولة العثور على نافذة جديدة تنقذنا من ظلام الواقع.

 في إحدى اللقاءات التي أذيعت لغايمان حول هذه الأفكار، يقول: أن فكرة وجود شخص في بحث عن عالم جديد وفرصة جديدة مرتبط بفكرة ال escapism  ، إذ أنني أرى أن معظم الناس- وبينهم أنا-  في أمس الحاجة إلى العثور على اجابات على تسآؤلاتهم، حتى ولو كانت هذه التساؤلات متواجدة في مكان آخر بعيداً عن حياتهم التي يعيشونها. الحاجة إلى الهروب تمثل واقعا من وقائع حياتنا، تلك الحياة التي تتكرر تفاصيلها بشكل يومي والممزوجة بالعديد من الصراعات الداخلية التي تنهش عقولنا وتفقدنا تركيزنا. إن محاولة الإجابة على تساؤلاتنا المتعددة رحلة لانهاية لها، وتعتبر في غاية الصعوبة. وفِي رأيي، أن شعورنا بالخوف أو عدم إيجاد الجرأة على مواجهة المواقف الصعبة التي نمر بها يعتبر أمرا عاديًا ومن الممكن أن يمر به أي شخص.

 وأنا اتفق مع غايمان حين يقول أن رغبتنا في الهروب تأتي من رغبتنا في حماية أنفسنا من خطرٍ ما، ومن رغبتنا في ايجاد فرص جديدة يمكن أن تكون سهلة المتناول في مكان جديد. يقول غايمان:

‘تحت روتين الحياة اليومية وأسفل تلك الطبقة المتعارف عليها بالملل وقلة الإثارة، يوجد عالم مظلم وناس عاديين- ضائعين ووحيدين- يستطيع هؤلاء الناس أن يجدوا طريقهم، ولكن يجب عليهم أن يتحلوا بالشجاعة ويحصلوا على القليل من الحظ’.

ويقول غايمان عما نعانيه في وقتنا الحالي من صراعات داخلية:

‘العقدين الأخيرين (التسعينات والألفية الجديدة)، هي الفترة التي لم يعد مسموحًا فيها للناس بالتفكير في أحلامهم التي يسعون إليها، فقد تم منحهم الحق في الحفاظ على أحلامٍ متدلية فوق رؤوسهم، ولكن لم تُعطَ لهم الكيفية التي يمكن بها تحقيق هذه الأحلام والسعي إليها. وهذه هي الأوقات التي يحتاج فيها الناس إلى قصص تُروى لهم ليتمكنوا من مجابهة الصعوبات والقدرة على الاستمرار في العيش عن طريق منحهم أدوات تحقيق أحلامهم.’

         نحن نقرأ، ليس فقط للاستمتاع بالقصص والروايات، أو لمجرد رغبتنا بجمع المعلومات. فلمعظم القرّاء هدفٌ أعمق من ذلك. نحن نقرأ لأن عقولنا تحتاج إلى غذاء من أجل أن نمنح مخيلاتنا مجالاً للاتساع والنمو. نقرأ لأن لدينا أحلامًا نريد تحقيقها. فالرضى في واقعنا هذا، حيث الهدف الوحيد الذي يتحدث الناس عنه هو الوظيفة والزواج والأبناء وجمع ثروة من المال. حياتنا هذه هي حلقة ضيقة تقتم علينا أنفاس أفكارنا. أصبحنا ننسى أننا كائنات ذوي عقول مبدعة، وننسى أننا حين كنّا مجرد أطفال لم تكن هناك حدود لأحلامنا. كنّا نتابع قصص باتمان وسوبرمان وسبايدرمان، ونتطلع لأن نكبر ونصبح مثلهم، نساعد الضعيف وندافع عن مبادئنا السامية. والآن وقد كبرنا نجد أنفسنا بحاجة إلى بطل خارق لينتشلنا من البؤس والملل والتهكم والشكوى ليأخذنا إلى مكان جديد نتجرد فيه من أنفسنا الذابلة التي غاصت في واقع متلبس الحقائق، يربط العقول بأعمدة القانون المبتذل الذي جعلنا نمشي كجماد مغطى بملصقات تحوي عناوين فارغة، لها معنى .وليس لها معنى يخصنا ولا يخص حقيقتنا

لماذا صرنا نعتقد أن هناك حقيقة واحدة لاتمس ولاتناقش؟ لماذا أصبحنا نضيق باتساع هذا الكون وهذا الكوكب؟

       :وقبل الجزء الختامي أريدكم التفكير بهذه الأسئلة

لماذا تصور بعض كتب الكوميكس ويرى بعض الأشخاص أن الأبطال الخارقين superheroes  باعتبارهم نماذج أو بوصفهم قدوتنا في الحياة؟ أليست هذه الفكرة نوعاً ما طفولية؟ وتنتمي إلى عقول الأطفال الذين ليست لديهم مشكلة في تقبل فكرة أن هناك رجلٌ قادر على الطيران إلى الشمس من دون أن يحترق، حتى وإن كان هؤلاء الأطفال يعلمون أنها ليست حقيقية. لماذا لا نتقبل فكرة وجود عالم موازٍ لهذا العالم حيث تعيش مخلوقات من جنس آخر مهمتها الأساسية هي حماية سكان الأرض من الآلهة الغاضبة؟ لماذا لا نصدق أن هناك أسلحة فتاكة يتم استخدامها فقط لفعل الخير والقضاء على الأشرار؟ يقول غرانت موريسون:

‘Adults…struggle desperately with fiction, demanding constantly that it conform to the rules of everyday life. Adults foolishly demand to know how Superman can possibly fly, or how Batman can possibly run a multibillion-dollar business empire during the day and fight crime at night, when the answer is obvious even to the smallest child: because it’s not real.’
― Grant MorrisonSupergods.

إن الأشخاص البالغين في صراع مستمر مع الخيال في الأدب القصصي، حيث أنهم في حاجة ماسة لتفسير الأشياء من وجهة نظرهم والتي تتماشى مع المنطق المستخدم في الحياة اليومية. فهم بكل حماقة يريدون إيجاد تفسير لكيفية مقدرة سوبرمان على الطيران، أو كيف يدير باتمان تجارته وشركاته التي تجلب له الملايين في النهار ويكافح الجريمة في الليل. إن الإجابة على هذه الأسئلة هي في غاية السهولة حتى لطفل صغير: هذه الأشياء ليست حقيقية.

ما تحدثت عنه في البداية فيما يتعلق بالقصص المصورة لا يخص قصص الأبطال الخارقين فقط. فهناك أنواع عديدة من القصص تحاكي عالمنا هذا، وتناقش الأفكار من منظور اعتيادي. وهناك أيضا قصص المانغا والكوميك ستريب والكاريكاتير وغيرها، وكل منها له ميزته. ولكنني قررت التركيز في الجزء الأخير على هذا النوع من القصص لأنها الأكثر شعبية حول العالم ولأن عند تفكيرنا بالقصص المصورة مرتبط بتلك الشخصيات.

السؤال الآن هو: ماهو السبب وراء دوام شعبية هذه الشخصيات حتى يومنا هذا ( على مستوى عالمي)؟

يناقش غرانت موريسون، أحد أشهر المؤلفين في مجال الكوميكس، في كتابه Supergods عن أهمية هذه الشخصيات لنا وعنا، نحن كأفراد، والمشاكل التي نعانيها في حياتنا اليومية. ويعتقد موريسون أن الأبطال الخارقين يمثلون صورة إيجابية، وعن طريق هذه الصور يمكن لنا أن نرى الحلول التي نبحث عنها. وتقوم هذه الصور أيضاً بعرض العوامل المختلفة التي يمكن لها أن تلهمنا وتوفر لنا الأسباب المناسبة من أجل أن لا نتجمد أمام صعوبات الحياة اليومية.

لا أكاد أحصي عدد المرات التي قرأت فيها كتاب موريسون من أجل بحث أحاول كتابته أو فقط لتذكير نفسي بفكرة ضاعت في زوايا ذاكرتي، وفِي كل مرة أقرأ فيها كلمات موريسون وحديثه عن البحث عن قدوتنا المثالية utopian role-model  من خلال القصص المصورة المفضلة لدينا يأخذني التفكير إلى الفيلسوف فريدريك نيتشه ونظريته عن الSuper human. يقول نيتشه في نظريته أن كل ما نحتاجه لنسمو بأنفسنا هي تلك المبادئ التي نؤمن بها وتلك القواعد التي نتبعها ونطبقها من أجل أن نرسم خارطة الطريق لأنفسنا، باستخدام العلوم المختلفة، كي نعيش حياتنا.

إن السبب وراء استمرارنا بتأليف الكتب يرجع إلى رغبتنا بالاتساع بفكرنا والحقائق التي نؤمن بها، لأن الحقيقة هي عنصر متغير وليس ثابت. فيأتي جيل بحقائق وأفكار، ثم يأتي جيل بعدهم بحقائق وأفكار مختلفة أو معاكسة. فأي فكرة بإمكانها أن تحمل شيئا من الخطأ أو الصواب.

علينا أن لا نخاف من مخيلتنا ومن القراءة والاستمتاع بالفن، وأهم من ذلك، علينا أن نستوعب أننا لا نملك الحق في غض البصر أو بمنع الناس عن قراءة نوع من أنواع الكتب التي ساهمت في تغيير رؤية العالم للكثير من الأشياء فقط لأننا نظن أنها تنافي تقاليدنا ومبادئنا،  أو لأنها غير مرتبطة بثقافتنا، فلكل جيل هوية ولهذا الجيل الحق في التعبير عن نفسه بشتى الطرق.

(يرجى التواصل للمزيد من المعلومات عن المصادر)

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s